سنوات الضياع في المؤسسات التعليمية

* الصورة المرفقة لحفلة غش جماعي في امتحانات الشهادة الثانوية التخصصية لاحدى المدارس في ليبيا .

– 1 –

في مقهى الأنترنت

 الهدوء و الطمانينة تلف المكان ورائحة الورد المعطر تفوح في الأرجاء، يبدو أن صاحب مقهى الانترنت قد فرغ للتو من تنظيفه و ترويقه، وبينما كنت جالسا في ذلك الصباح في مقهى الانترنت، أحاول أن أرد على بعض البريد الالكتروني المستعجل ، دخل علينا رجل في أواخر الأربعينات من عمره، أشعث أغبر، تتسارع أنفاسه، و يلتفت يمنة و يسرة، كأنما كان يقاتل أهوال الردى و تقاتله ! ارتفعت الأعناق في المقهى، تنتظر الخطب الجلل، اتجه زائرنا المفجوع الي الطاولة الرئيسية في المقهي و قال متسائلا :

–          وين فلان ؟ أريده ضروري ؟

–          نعم تفضل انا هو ! (رد الشاب مدير المقهى) .

أخرج الرجل ورقة من جيبه و قدمها للشاب قائلا :

–          ابنتي هاتفتني من قاعة الامتحان، وهذا امتحان الحاسوب للشهادة الثانوية، نريد أن تجيب عن الأسئلة الآن ، لا أحد في لجنة الامتحانات بالمدرسة يعرف الإجابة !؟ المعلمات في انتظاري لكي اعود بالإجابة الان ! مررت على عدة مكاتب و مقاهي و دلوني عليك .

تطلع مدير المقهى الي الأوراق بكل جدية واهتمام ، وصال وجال ما بين كمبيوتره المحمول يبحث في الجوجل حينا ويقلب ملفات جهازه حينا،  يستخدم النقال حينا، و يقلب الأوراق والكتب في مكتبه الصغير حينا اخر ، أما الأب المفجوع فبات يهاتف ابنته حينا في قاعة الامتحانات ويهاتف المعلمات المنتظرات حينا أخر يطمئن هؤلاء و هؤلاء ! و تبرع بعض الشباب من رواد المقهى بالمساعدة وإغاثة الملهوف ، وشرعوا يسألون الجوجل و هو يجيب .

أخد الأب الإجابات فرحانا يمد الخطو جذلانا و قد ملأ المكان تهليلا وتكبيرا ودعاء وثناء . خرج من المقهى وابتلعه الزحام !!؟

– 2 –

في محل خدمات الطباعة والتصوير

 رجل مسن يرتدي الملابس التقليدية، يتجه الي الشاب الذي يقف خلف ألة التصوير ويسأله بصوت مرتفع في المحل الذي كان غاصا بالزبائن الواقفين والجالسين :

–          عندك حجابات غش الثانوية الطبية !!؟

أجاب الشاب بصوت جهوري :

–          عندي ياحاج ! و في جميع المواد .

–          الله ايربحك يا وليدي .

أخذ الحاج القصاصات الجاهزة والمعدة مسبقا بطباعة صغيرة وعندما هم بالخروج أستوقفه احد الزبائن و سأله :

–          يا حاج .. ماذا ستفعل بالحجابات ؟

–          اريدها لابنتي … أريدها أن تحصل على مجموع لكي تدخل كلية الطب ! أريدها أن تصبح (تكتوره) !

و ابتسم بكل فخر وخرج من مكتب الخدمات و ابتلعه الزحام كما أبتلع من قبله .

– 3 –

في محاضرة جامعية

 القاعة بدون باب ونوافذها شبه عالقة ، فإن فتحت لا تغلق و إن اغلقت لا تفتح، ذكريات العشق و الغرام و بذئ الكلام تحاصرني بل وتخنقني عن يمين السبورة وعن يسارها وفي السقف وعلى الجدران، بقايا مقاعد محطمة هنا وهناك ، رائحة التبغ والعطور الرخيصة تعبق المكان، و بعد انتظار جاء الطلاب تسبقهم رنات أجهزتهم النقالة وأحاديثهم السوقية وضحكاتهم الصبيانية وبدأت رحلة من العذاب لمدة ساعتين . اعداد الطلاب كثيرة، بعضهم لم يجد مقعدا، بعضهم الأخر يتسلى بألعاب الهاتف … فجأة يصرخ احدهم : ما نسمعوش فيك أرفع صوتك ؟ ما نشوفش في السبورة ؟ مجموعة تاتي متأخرة ، مجموعة تخرج غاضبة … ولأن القاعة بدون باب فقد أصبحنا فرجة للرايح والجاي . و ما أن بدانا  قليلا في المحاضرة و ساد نوع من الانسجام النسبي حتى دخل علينا أحد موظفي الكلية جارتنا قائلا :

–          ماذا تفعلون هنا ؟ هذه قاعتنا ، أذهبوا الي قاعات كليتكم !؟

–          و لكن تم الاتفاق بين الكليتين على معالجة الأمر، فرد بكل وقاحة : مش شوري ، القاعة ما تقعدوش فيها .

خرج الطلاب يبحثون عن قاعة أخري، وجدنا إحدى قاعاتنا فجلسنا فيها وبدأت المحاضرة من جديد و لكن الحكاية لم تنته، يدخل أحد رجال الأمن متسائلا :

–          أنتم من أي كلية !؟

–          و ما الذي يعنيك من ذلك !؟

–          غير جاوبوني فقط أريد ان اعرف !؟

و في منتصف المحاضرة تأتي مجموعة أخرى من  رجال الأمن الجامعي وبدون استئذان يدخلون القاعة يجرجرون المقاعد والطاولات ويضعونها في وسط القاعة ويخرجون و كأن شيئا لم يكن وهم يتحدثون بصوت مرتفع و يدخنون السجائر !!؟ لا أحد في القاعة سوى أستاذ جامعي و بعض الطلبة والطالبات فقط !!

– 4 –

في قاعة الامتحان

 المشرف الأخر في القاعة يهمس في أذني : انظر الي ذلك الطالب، إنه يحمل مسدسا ! سألته : هل رأيته يغش ؟ فأجاب : لا إنه لا يغش، فاجبته : إذن دعه ، ليس عملنا جمع الأسلحة منهم ! و طالب اخر ينظر اليك بكل وقاحة ثم يقول : خلونا نغشوا شوي !!؟ و لعل اكثر ما أثر في هو ذلك الموقف الذي لن انساه ما حييت، سلم الطالب ورقة الاجابة و هم بالخروج مغادرا ، فأشرت إليه ان يكتب اسم المقرر على الورقة ، فقال لي معروفة ! ما فيش داعي ! عرفت السبب ضمنا فسكت، و لكن الاستاذ المشرف الأخر ألح عليه .. تلعثم الطالب و خربش خربشات و نظر إلينا بخجل و انصرف … لا يعرف كيف يكتب اسم المقرر !! شعرت شعورا غريبا ملئه الشفقة والحسرة والألم !! لقد أضعناهم !! شباب وشابات يسلمون كراسات الإجابة فارغة كما هي !! الله يلعن كل المعلمين و المعلمات و أولياء الأمور الغشاشين عاشقي المعدلات النهائية و المظاهر والمجاملات والمسؤولين بوزارة التعليم عن هذا التجهيل الجماعي مع سبق الإصرار و الترصد !!

أما عن أحدث موضات الغش النسائي فهو ارتداء النقاب فقد أصبح اسهل وسيلة للغش، فلا نستطيع التحقق من شخصيتها و لا ماذا تضع في أذنيها او تخبئ تحت عباءتها الفضفاضة، و برغم  نقابها فإن عطرها يعبق المكان وعيناها رسمتا بشكل مبالغ فيها و أظافرها ازدانت بالطلاء ، فارتداء النقاب ليس تقوى وإنما وسيلة للغش والتحايل .

– 5 –

في يوم مراجعة نتيجة مقرر جامعي

 تم ابلاغي بموعد لمراجعة نتيجة طالب جامعي راسب في احد المقررات، تواجدت في المكان و الزمان، و سألت : أين لجنة المراجعة ؟ لا توجد لجنة المراجعة ، أنت وحدك فأفعل ما شئت ! وسألت : أين مكان المراجعة ؟ لا يوجد مكان أذهب الي القاعة المفتوحة لأعضاء هيئة التدريس وتتم المراجعة هناك. كل الطلاب في قاعة المراجعة، و كل الاساتذة في قاعة المراجعة .. امر أشبه بسوق شعبي .. الطالب يحاجج ويناقش والجميع يتفرج وقد يأتي معه اقاربه وأصدقائه .. أحد الطلبة لم تعجبه نتيجة المراجعة فاطلق للسانه العنان بالشتم والسباب ولم يخل الأمر من بعض حركات الجودو والتيكواندو أيضا … في ذلك الفصل تم تعديل نتائج عدد كبير من الطلاب !!

– 6 –

باختصار “إذا ضاع التعليم …. ضاع الوطن !!”

 

 

تعليق واحد على

  1. صفاء العربيصفاء العربي

    المشكلة لا تكمن في الغش فقط ولكن الطامة الكبري في نه يوجد سياسية تسمي (( لازم ينجح بالاجباري )) تصدقها دي عشان النجاح في المدارس له نسبة معينة فيضطروا المدرسين آآسفين ان يكتبوا الاجابة للطالب /ة عند التصحيح

    تعليم فسكونية ياعزيزي في البلاد العربية

    رد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.