مأساة عصفور القفص وربيع ثورات العرب

عصفور القفص، منذ أن أدرك الحياة وهو في هذا القفص، لا يعرف الا تلك اليد التي تمتد له وتقدم له الطعام حينا وتمنعه عنه حينا آخر، تذكره وتنساه، محيط إدراكه هو تلك الجدران المحيطة به، يغرد بأمر سيده، ويصمت بأمر سيده، ويعيش ببركة سيده ويسبح له في الليل والنهار. قرر سيده يوما ان يمنحه بعض الضوء والدفء فأصبح يخصص ساعة في النهار يضع فيه قفص عصفوره في النافذة .

إنبهر العصفور بكل ذلك الضوء والأفق الرحب وشاهد العصافير الأخرى تحلق عاليا في عنان السماء، وبدأ يحدث نفسه!؟  يا إلهي، كل هذا الأفق الرحب والفضاء الواسع وأحبس في قفص صغير!؟ أريد أن اطير!! أريد أن اطير!! وتذكر العصفور المرات الكثيرة التي ترك فيها سيده باب القفص مفتوحاً، و لكنه لم يفكر حتى تفكير بالخروج من القفص، وعقد العزم على أن يخرج من القفص في أول فرصة تسنح له. في اليوم التالي سنحت له الفرصة فغافل سيده وخرج من القفص وحلق في الفضاء الرحب بأقصى ما يستطيع … حلق عاليا عاليا أعلى من كل العصافير الأخرى، لم يكن يرى في حريته الا السعادة والانطلاق، وإستمر يحلق ذلك العصفور الغر أعجبه جمال الطبيعة والفضاء الرحب، وفي المساء جاع العصفور وانتظر سيده ليطعمه!! ولكن أين سيده !!؟ لا يعرف العصفور الا هرة سيده الكسولة الوديعة فاعتقد ان كل الهررة وديعة وكسولة، لم ير طائرا جارحا في حياته فاعتقد ان كل الطيور أبناء عمومته وأصدقائه. وفي كل يوم، بل في كل ساعة كانت يكتشف أشياء جديدة وأخطار تتربص به في كل مكان، فالهررة ليست وديعة وكسولة كما يعرف، بل هي تتحين الفرصة لتنقض عليه، و الطيور الكاسرة ليست من ابناء عمومته و لكنها عدوة لدودة له تشاركه الفضاء الرحب و تأكل صغار العصافير وضعافها. أطفال المدينة ليسوا كأطفال سيده اللطفاء ولو امسكوا به لنتفوا ريشه. العصفور الصغير أرهق جسمه الجوع و التعب، وأرهق عقله التفكير، وتذكر طعام سيده وجمال قفص سيده، ودفء منزل سيده، و بدأ له ذلك الفضاء الرحب موحشا و قاسيا و رحلة الطيران المتعبة بحثا عن الغذاء والأمان رحلة عذاب وشقاء …..

سيد العصفور وضع القفص في النافذة وترك بابه مفتوحا … العصفور الصغير يحن الي القفص و يطير قرب النافذة ويفكر، هل أعود الي القفص وأرتاح من مسؤولياتي !! لا أعلم شيئا واحتاج الي كثير من الوقت كي اتعلم وأتدبر اموري !؟ أنا مرهق كل يوم و لكنى اطير بحرية !؟ وهل حريتي تشبعني !؟ و هل توفر لي أمنا وامانا !؟ وعندما اعود الي سيدي هل سيوفر لي ما احتاج !؟ ربما ينساني أحيانا و لكنه سيطعمني!؟ ربما سيضعني في غرفته بعيدا عن النافذة ولكني سأغرد له كما يشاء !؟ ماذا لو توقفت عن التغريد !؟ فهل سيهتم بي!؟ ماذا لو فقدت ريشي الجميل!؟ يطير العصفور ويقترب من باب القفص حينا ويبتعد !!؟

سؤال: بعد أن تنسمت شعوب ثورات الربيع العربي نسائم الحرية  ودخلت في عواصفها وتقلباتها، فهل ستكون نتائج ممارساتها للديمقراطية في إعادة إنتاج لدكتاتوريات جديدة في ثوب ديمقراطي بانتخابات نزيهة شكلا وإجراءاتا، ويعود العصفور الغر الي القفص بإرادته وإختياره؟ لأنه لا يريد أن يتحمل مسوؤلياته ويبحث عن إله جديد يسبح بحمده في الليل والنهار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.