نرتدى الملابس كل يوم ، و لدينا الخيار في ارتداء نفس الملابس ليومين او ثلاثة ، و لكن ماذا يحدث لو ارتدينا نفس الملابس لمدة أسبوع او عشرة أيام أو ربما شهر ؟ بالتأكيد فإن الملابس ستتسخ و ستفوح منها الروائح الكريهة ، و سيخبرك الأشخاص المحيطون بك انه يتوجب عليك تغيير ملابسك . بل ان بعضهم سوف ينبذك و يرفض وجودك ، و بعضهم سيتدخل ناصحا حينا مستخدما كلمات الترغيب او الترهيب لإقناعك بتغيير ملابسك ، و قد تتدخل والدتك بقوة لترغمك على تغيير ملابسك لأنك تسئ لها أو تسئ الي سمعة العائلة .
استسلمت الشعوب العربية لحكم حكوماتها الجائرة و رؤساءها و استمتعت بالدكتاتورية و الظلم لعشرات السنين و رفضت ان تقوم بأي تغيير حقيقي عندما كان التغيير اختياري و ليس اجباري في المراحل الأولى لنشوء انظمتها الدكتاتورية ، تماما كذلك الشخص الذر استمر يرتدي نفس الملابس لعدة أيام ، بعد مرور 42 عاما على حكم القذافي لليبيا ، لم يعد أحد يطيق بقاءه في السلطة حتى أقرب و أعز أصدقاءه الرئيس الفرنسي ساركوزي . استفاد الجميع من فترة حكمه و لكن الملابس اتسخت جدا و أصبحت رائحتها لا تطاق و أصبحت تؤذي الأصدقاء قبل الأعداء . و هنا وجد الشعب الليبي نفسه مضطرا لتغيير الملابس فليس هناك أي مجال لاستخدامها و خصوصا بعد ان صرخ القذافي صرخته الشهيرة بعد 42 عاما في الحكم متسائلا : “من انتم ؟ ” … و هنا ظهرت أطراف اخرى تعرض ملابس جديدة بديلة للملابس القديمة .. خرج الشعب في موجة غضب عارم و ثورة شعبية لم اتوقع أن أراها في حياتي أطاحت بالدكتاتور .. و نزعوا الملابس القديمة و احرقوها تماما .. و عندما بحثوا عن الملابس الجديدة لم يجدوا أية ملابس ؟ .. و أصبحت الأمة عارية بدون ملابس و ظهرت عورتها أمام العالم ، و لك أن تتخيل شعور شخص بدون ملابس ، برغم تحرر جسده الكامل من كل القيود ،الا انه يحس بالعار و الاهانة ، و لا يحتمل حر الهجير و لا اشتداد الزمهرير .. خرجت الأمة العارية تركض و تبحث عن ما تغطي به عورتها ، بالمجلس الانتقالي حينا ثم بالمؤتمر الوطني ، ثم بالهيئة التأسيسية للدستور و كلما غطت جزء من عورتها كشفت جزءا أخر !!؟ هل تشترى ملابس جاهزة ؟ و لكنها باهضة الثمن ؟ و قد تكون غير مناسبة ! هل تذهب للخياط ؟ و لكن ذلك يحتاج مزيد من الوقت و الانتظار و النتائج غير مضمونة !؟
و هذا ما ينطبق تماما على ثورة اليمن ، أما ما حدث في مصر فيختلف قليلا ، فلقد نزع الشعب المصري الملابس القديمة المتسخة لكنه لم يتخلص منها تماما ، و عندما لم يجد لها بديلا قام بارتداءها بأوساخها و رائحتها النتنة مقتنعا أن ملابسه القديمه أفضل من بقاءه عاريا ، أما في تونس فنزعوا الملابس المتسخة و كانت لديهم غسالة أوتوماتيك فقاموا بغسلها قليلا و اعادوا لبسها من جديد في عجلة حتى قبل أن تجف !!؟ أما في سوريا فمن شدة اتساخ الملابس فقد التصقت بالجسد و يبدو ان التخلص منها سيقضي عليها و سيقتطع اجزاء من جسد الشعب السوري .
لهذا السبب في النظم الديمقراطية يجعلون الحكم لفترات محددة بعدد من السنوات ، لأنهم يدركون تماما أن عليهم تغيير الملابس قبل ان تتسخ . و يدركون تماما أن الأمم العارية لا تستطيع التفكير الا بستر عوراتها فيوفرون الملابس البديلة و المعطرة .